محمد محمد أبو ليلة

67

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

لو لم يسجلها المحدّثون ما سمع بها ولا به أحد ؛ وأين أعداء محمد صلى اللّه عليه وسلم منه ؟ لما ذا لم ينتفعوا به ؛ ويعارضوا بكلامه كلام اللّه تعالى ، الذي بلغه محمد صلى اللّه عليه وسلم . ونرى أنه من المفيد أن نشير هنا إلى الحديث الذي رواه عكرمة أن عبد اللّه بن أبي سرح كان يكتب لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم ارتد مشركا ، وصار إلى قريش فقال لهم : " إني كنت أحرّف محمدا حيث أريد ، كان يملى عليّ " عزيز حكيم " ، فأقول : أو " عليم حكيم " ؟ فيقول نعم كلّ صواب . وفي حديث آخر برواية السدى فيقول له النبي صلى اللّه عليه وسلم : " اكتب كذا " فيقول " أأكتب كذا " ؟ فيقول : " اكتب كيف شئت " ، ويقول اكتب " عليما حكيما " فيقول أكتب " سميعا بصيرا " ؟ فيقول له : " اكتب كيف شئت " . وفي الصحيح عن أنس رضى اللّه عنه أن نصرانيا ( يقال إنه رجل من بنى النجار ) كان يكتب للنبي صلى اللّه عليه وسلم بعد ما أسلم ، ثم ارتد ، وكان يقول : " ما يدرى محمد إلا ما كتبت له " . بعد أن أشار إلى هذين الحديثين قال القاضي عياض الأندلسي : " فاعلم ، ثبّتنا اللّه وإياك على الحق ، ولا جعل للشيطان وتلبيسه الحق بالباطل إلينا سبيلا ، أنّ مثل هذه الحكاية أولا لا توقع في قلب مؤمن ريبا . إذ هي حكاية عمن ارتد وكفر باللّه ، ونحن ( أي علماء الحديث ) لا نقبل خبر المسلم المتهم ، فكيف بكافر افترى هو ومثله على اللّه ورسوله ما هو أعظم من هذا . . " ، ويضيف القاضي عياض " ولم يرد عن أحد من المسلمين ، ولا ذكر أحد من الصحابة أنه شاهد ما قاله ( أي ابن أبي سرح أو هذا النصراني ) وافتراه على نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم " ، يقول تعالى : إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ ( 105 ) ( النحل : 105 ) « 1 » . ويقول القاضي عياض إن الصحيح في ذلك هو حديث عبد اللّه بن عزيز بن رقيع ( التابعي ) عن أنس ؛ وليس في هذا الحديث عن أنس قول شئ من ذلك من قبل نفسه ، إلا من حكايته عن النصراني ؛ ولو كانت - أي الحكاية - صحيحة لما كان فيها قدح ، ولا توهيم للنبي صلى اللّه عليه وسلم فيما أوحى إليه ، ولا جواز للنسيان ، والغلط عليه والتحريف فيما بلّغه ، ولا طعن في نظم القرآن وأنه من عند اللّه ؛ إذ ليس فيه - لو صح - أكثر من أن الكاتب قال له : " عليم حكيم " ، أو كتبه فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : " كذلك هو " . فسبقه لسانه أو قلمه لكلمة أو كلمتين مما

--> ( 1 ) انظر . الشفا بتعريف حقوق المصطفى . تحقيق محمد أمين على وآخرين . ج 2 ص 306 307 ، عمان . مؤسسة علوم القرآن ، ودار الفيحاء 1407 ه / 1986 م